البحر أنفو – 19/02/2026 طنجة المتوسط يعزز تموقعه كمحور بحري عالمي ويعيد رسم توازنات غرب المتوسط متابعة:
يشهد قطاع النقل البحري في غرب البحر الأبيض المتوسط تحولات بنيوية عميقة، في ظل الصعود المتسارع لـ ميناء طنجة المتوسط كمنصة لوجستية محورية تربط بين أوروبا وإفريقيا والأمريكيتين. هذا التحول لم يعد مجرد تطور ظرفي في أرقام المناولة، بل يعكس إعادة تشكيل فعلية لخريطة التدفقات التجارية في المنطقة، مع انتقال مركز الثقل تدريجياً نحو الضفة الجنوبية للمتوسط.
سنة 2025 شكلت محطة مفصلية في هذا المسار، بعدما سجل طنجة المتوسط مناولة إجمالية تجاوزت 161 مليون طن من البضائع، بنمو سنوي بلغ 13,3 في المائة. ويعزى هذا الأداء إلى توسعة البنية التحتية ورفع الطاقة الاستيعابية، خاصة بعد دخول محطة الحاويات “TC4” التابعة لشركة APM Terminals طاقتها التشغيلية الكاملة، ما عزز القدرة الإجمالية للميناء ورفع من تنافسيته على مستوى خدمات إعادة الشحن (Transshipment).
في نشاط الحاويات، عالج الميناء أكثر من 11,1 مليون حاوية نمطية (TEUs)، مسجلاً نمواً سنوياً بنسبة 8,4 في المائة، وهو رقم يضعه في صدارة موانئ غرب المتوسط. بالمقابل، سجل ميناء الجزيرة الخضراء حوالي 4,7 ملايين حاوية، بينما لم يتجاوز مجموع مناولة ميناء فالنسيا ونظيره في الجزيرة الخضراء معاً سقف 10,1 ملايين حاوية، ما يعكس الفارق المتزايد في القدرة الاستيعابية والدينامية التجارية.
وعلى الصعيد الأوروبي، تقلصت المسافة الفاصلة بين طنجة المتوسط وكبريات الموانئ مثل ميناء روتردام الذي بلغ 13,8 مليون حاوية، وميناء أنتويرب الذي سجل 13,6 مليون حاوية. هذا التقارب الرقمي يعكس تحسناً هيكلياً في تموقع الميناء المغربي داخل سلاسل الإمداد العالمية، ويؤشر إلى انتقاله من دور المنصة الإقليمية إلى لاعب مؤثر في شبكة الموانئ الكبرى.
ويستند هذا الصعود إلى موقع جغرافي استثنائي عند ملتقى أهم الطرق البحرية الدولية، ما يقلص زمن العبور ويخفض كلفة الخدمات اللوجستية. كما شهد نشاط النقل بنظام “رو-رو” وحركة الشاحنات عبر مضيق جبل طارق نمواً ملحوظاً، مقترباً من نصف مليون وحدة خلال 2025، وهو ما يعزز التكامل الاقتصادي بين الضفتين ويدعم انسيابية المبادلات التجارية.
غير أن أهمية طنجة المتوسط لا تقتصر على المؤشرات المينائية، بل تمتد إلى كونه رافعة صناعية واستثمارية متكاملة. فالمنطقة الحرة المحيطة بالميناء تحتضن أكثر من 1200 شركة تنشط في قطاعات استراتيجية، من صناعة السيارات والطيران إلى النسيج والخدمات اللوجستية المتقدمة، مستفيدة من بنية تحتية حديثة وحوافز ضريبية موجهة للتصدير. هذا التكامل بين النشاط المينائي والصناعي يمنح المنصة المغربية ميزة تنافسية مزدوجة، ويجعلها نقطة جذب متزايدة للاستثمارات الدولية.
في المقابل، يثير هذا التحول قلقاً لدى بعض الأوساط الاقتصادية في إسبانيا، التي ترى في تسارع وتيرة نمو طنجة المتوسط تحدياً مباشراً لمكانة موانئها التقليدية في غرب المتوسط. فالمنافسة لم تعد محصورة في حجم الحاويات أو العبور البحري، بل أصبحت تمتد إلى القدرة على جذب الصناعات الكبرى وترسيخ منظومات إنتاجية مرتبطة بالموانئ.
وعليه، يبدو أن غرب المتوسط يدخل مرحلة جديدة من إعادة التوازنات، عنوانها انتقال مركز الثقل اللوجستي نحو الضفة الجنوبية، مع ترسيخ طنجة المتوسط كأحد أبرز محاور التجارة البحرية في المنطقة وفاعل صاعد في معادلة النقل البحري العالمي.