عاجل
4 مارس 2026 على الساعة 09:29

من سيدي إفني ينطلق الرهان: الاستزراع البحري يعزز موقع المغرب إقليمياً…تربية الأحياء المائية خيار استراتيجي لمستقبل الصيد

البحر أنفو – 04/03/2026 برزت تربية الأحياء البحرية خلال السنوات الأخيرة كأحد أعمدة التحول الاستراتيجي الذي يعرفه قطاع الصيد البحري بالمغرب، في ظل التحولات المناخية والضغط المتزايد على المصايد الطبيعية.

فقد كشفت مخططات التهيئة المائية عن مؤهلات وطنية هائلة تمتد على طول الواجهة الأطلسية والمتوسطية، بمساحة تفوق 24 ألف هكتار مخصصة للاستزراع البحري، مع قدرة إنتاجية يمكن أن تتجاوز 300 ألف طن سنوياً، ما يضع المغرب في موقع متقدم إقليمياً في هذا المجال.

دينامية مؤسساتية تؤطر القطاع

تندرج هذه الدينامية في إطار الاستراتيجية الوطنية لتطوير الاستزراع المائي التي تشرف عليها الوكالة الوطنية لتنمية تربية الأحياء البحرية، تحت وصاية كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري. وتهدف هذه المقاربة إلى تنويع مصادر الإنتاج السمكي، تقليص الضغط على المخزون الطبيعي، وخلق نسيج اقتصادي جديد قائم على الاستثمار والابتكار.

وقد تم إعداد مخططات جهوية لتربية الأحياء البحرية بعدد من المناطق الساحلية، همّت على الخصوص جهات كلميم–واد نون، سوس–ماسة، الداخلة–وادي الذهب، والشرق، حيث جرى تحديد مواقع ملائمة تقنياً وبيئياً لإقامة مزارع بحرية متخصصة في تربية الأسماك، الرخويات، والطحالب البحرية.

مزرعة سيدي إفني: نموذج تجريبي واعد

في هذا السياق، تبرز المزرعة السمكية المتواجدة بعرض البحر قبالة سواحل سيدي إفني كنموذج عملي يعكس الرهان على البحث العلمي التطبيقي في تطوير القطاع. فالمشروع لا يقتصر على الإنتاج التجاري، بل يشكل منصة تجريبية لاختبار تقنيات التربية في الأقفاص العائمة بالبحر المفتوح، ودراسة معدلات النمو، جودة الأعلاف، مقاومة الأمراض، والتأثيرات البيئية.

المؤشرات الأولية والنتائج المحصل عليها إلى حدود اليوم توصف بالمشجعة، سواء من حيث نسب البقاء والنمو، أو من حيث جودة المنتوج الموجه للأسواق. كما أظهرت التجارب قدرة السواحل المحلية على احتضان مشاريع استزراع بحري عالية المردودية، شريطة احترام المعايير البيئية والتقنية المعتمدة.

أبعاد اقتصادية وتنموية

تكتسي تربية الأحياء البحرية أهمية خاصة في الأقاليم الساحلية ذات البدائل الاقتصادية المحدودة، حيث تتيح فرصاً حقيقية لخلق مناصب شغل مباشرة وغير مباشرة، سواء في وحدات الإنتاج، أو في سلاسل القيمة المرتبطة بها (الأعلاف، النقل، التحويل، التصدير).

وعلى المستوى الوطني، يمكن للقطاع أن يساهم في:

تعزيز الأمن الغذائي وتوفير بروتين بحري مستدام

دعم الصادرات ذات القيمة المضافة العالية

تشجيع الاستثمار الخاص الوطني والدولي

نقل التكنولوجيا وبناء كفاءات مغربية متخصصة.

تحديات قائمة ورهانات مستقبلية

رغم المؤشرات الإيجابية، يظل تطوير القطاع رهيناً بعدد من التحديات، من بينها:

كلفة الاستثمار الأولي المرتفعة

الحاجة إلى تمويل ملائم ومواكبة بنكية متخصصة

التحكم في المخاطر البيئية والصحية

تطوير البحث العلمي في مجالات الأعلاف المحلية والانتقاء الوراثي.

غير أن توفر الوعاء العقاري البحري، واستقرار الإطار القانوني، وتنامي الطلب العالمي على المنتجات البحرية المستزرعة، كلها عوامل تجعل من المغرب مؤهلاً للانتقال من مرحلة التجارب النموذجية إلى مرحلة الإنتاج الصناعي واسع النطاق.

أفق وطني بطموح إقليمي

إذا ما تم استثمار الإمكانات المتاحة بالشكل الأمثل، فإن تربية الأحياء البحرية مرشحة لتصبح رافعة استراتيجية موازية للصيد البحري التقليدي، ومصدراً أساسياً للنمو الأزرق بالمملكة. وتجربة سيدي إفني تقدم اليوم دليلاً عملياً على أن الرهان ليس نظرياً، بل يستند إلى نتائج ميدانية مشجعة تؤسس لمرحلة جديدة عنوانها: إنتاج بحري مستدام، مبتكر، ومندمج في الاقتصاد الوطني.

وفي ظل التحولات العالمية التي تجعل الاستزراع المائي يتفوق تدريجياً على الصيد التقليدي من حيث حجم الإنتاج، يبدو أن المغرب وضع قدميه فعلياً على مسار استراتيجي طويل النفس، قد يعيد رسم خريطة الإنتاج البحري الوطني خلال العقد المقبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *