البحر أنفو – 23/03/2026 يشهد قطاع الشحن البحري العالمي تحولا بنيويا عميقا، مدفوعا بتصاعد الضغوط البيئية والتشريعات الدولية الرامية إلى خفض الانبعاثات الكربونية، وهو ما يدفع الفاعلين إلى البحث عن بدائل نظيفة ومستدامة للوقود التقليدي.
وفي قلب هذا التحول، يبرز الهيدروجين الأخضر ومشتقاته، خاصة الأمونيا والميثانول، كأحد أبرز الحلول المستقبلية القادرة على إعادة تشكيل منظومة النقل البحري والطاقة على حد سواء.
في هذا السياق الدولي المتسارع، يبرز المغرب كفاعل صاعد يمتلك مقومات استراتيجية تؤهله للتموقع ضمن خارطة الهيدروجين الأخضر عالميا. فإلى جانب موقعه الجغرافي الفريد عند تقاطع أهم طرق الملاحة الدولية، يتوفر على إمكانات كبيرة في مجال الطاقات المتجددة، مدعومة ببنية مينائية متطورة تشكل العمود الفقري لهذا الطموح الجديد.
وتلعب الموانئ المغربية دورا محوريا في هذا التحول، حيث لم تعد تقتصر على وظائفها التقليدية كمراكز لعبور البضائع، بل أصبحت مرشحة للاضطلاع بأدوار متقدمة ضمن سلاسل القيمة المرتبطة بالطاقة النظيفة، تشمل الإنتاج والتخزين والتوزيع، بل وحتى التزويد المباشر للسفن بالوقود الأخضر.
في مقدمة هذه الموانئ، يبرز ميناء طنجة المتوسط كقاطرة لهذا التحول، بفضل موقعه الاستراتيجي عند مضيق جبل طارق، الذي يجعله من بين أكثر الممرات البحرية نشاطا في العالم. هذا الامتياز يمنح الميناء أفضلية كبيرة ليصبح منصة رئيسية لتزويد السفن العابرة بالوقود النظيف، خاصة في ظل التوجه العالمي نحو تقليص الاعتماد على الوقود الأحفوري. ومع التطور المستمر لقدراته اللوجستية، يملك طنجة المتوسط كل المؤهلات ليكون نقطة ارتكاز في شبكة تموين السفن بالهيدروجين ومشتقاته.
وعلى المستوى الصناعي، يضطلع ميناء الجرف الأصفر بدور حاسم في هذا النموذج، بالنظر إلى ارتباطه الوثيق بالأنشطة الصناعية الثقيلة، خاصة صناعة الأسمدة. ويتيح هذا المعطى إمكانية إدماج الأمونيا الخضراء بشكل مباشر في العمليات الإنتاجية، ما يساهم في تقليص البصمة الكربونية لهذا القطاع الحيوي، ويعزز تنافسية المنتجات المغربية في الأسواق الدولية التي باتت تولي أهمية متزايدة للمعايير البيئية.
أما ميناء المحمدية، فيمثل حلقة استراتيجية في جانب التخزين، بفضل توفره على مؤهلات طبيعية نادرة، من بينها الكهوف الملحية التي يمكن استغلالها لتخزين الهيدروجين على نطاق واسع. ويعد هذا العامل من أبرز التحديات التقنية في اقتصاد الهيدروجين، ما يمنح المغرب أفضلية تنافسية حقيقية من خلال تقليص تكاليف التخزين وضمان استقرار الإمدادات.
وفي الجنوب، تبرز منطقة طانطان كقطب واعد لإنتاج الهيدروجين الأخضر، مستفيدة من مواردها الهائلة من الطاقة الشمسية والريحية. ورغم أن بنيتها التحتية المينائية لا تزال في طور التطوير، فإن الاستثمار في هذه المنطقة قد يحولها إلى مركز إنتاجي استراتيجي يزود باقي الموانئ الوطنية، بل ويفتح آفاق التصدير نحو الأسواق الدولية، خاصة الأوروبية التي تشهد طلبا متزايدا على الطاقة النظيفة.
وتكمن قوة هذا النموذج في تكامله الوظيفي، حيث يمكن تصور منظومة وطنية مترابطة تقوم على إنتاج الهيدروجين في الجنوب، وتخزينه في الوسط، واستعماله صناعيا في المحور الأطلسي، ثم توجيهه نحو تزويد السفن في الشمال. هذا التكامل لا يساهم فقط في تحسين الكفاءة اللوجستية، بل يعزز أيضا من تنافسية المغرب في سوق دولية تتسم بشدة المنافسة وتسارع التحولات.
وفي ظل تنامي الاهتمام العالمي بالهيدروجين الأخضر، خاصة من قبل الاتحاد الأوروبي في إطار استراتيجياته للانتقال الطاقي، يجد المغرب نفسه أمام فرصة تاريخية لتعزيز موقعه كمزود موثوق للطاقة النظيفة. كما أن الاستثمارات المتواصلة في البنية التحتية المينائية، إلى جانب السياسات العمومية الداعمة، تعكس إرادة واضحة للانخراط في هذا المسار الاستراتيجي.
إن التحول الذي تعرفه الموانئ المغربية اليوم يتجاوز مجرد التحديث التقني، ليعكس إعادة تموقع شاملة ضمن الاقتصاد الأخضر العالمي. فالمملكة لا تسعى فقط إلى مواكبة التحولات، بل إلى المساهمة في صناعتها، عبر نموذج متكامل يربط بين الطاقة والنقل والصناعة، ويضعها في قلب الخريطة الجديدة للهيدروجين على الصعيد الدولي