البحر أنفو – 23/03/2026 في موانئ الأطلسي، لم تعد الحكاية مجرد موسم صيد ضعيف أو تقلب عابر في الأسعار. ما يعيشه “السرادلية” اليوم أقرب إلى دراما مفتوحة الفصول، حيث تتقاطع الأزمات وتتشابك الخسائر، في مشهد يختصره المثل الشعبي: المصائب لا تأتي فرادى.
البحر، الذي كان يومًا سندًا، صار اليوم أول خيط في الأزمة. المصايد لم تعد تسعف، والسردين الذي يُصطاد يغلب عليه الحجم الصغير، غير القابل للتثمين التجاري، ما يجعل المردودية تتهاوى إلى مستويات غير مسبوقة. شباك تُرمى ساعات طويلة، وتُسحب بآمال كبيرة… لكن العائد لا يوازي حتى الجهد المبذول، ولا يُغطي كلفة الرحلة.
غير أن الضربة الثانية جاءت من خارج البحر، وبقوة أكبر. أسعار الكازوال قفزت بشكل صاروخي، تحت وقع التوترات الدولية والحروب التي أعادت رسم خريطة الطاقة عالميًا، فصار “السرادلي” يخرج إلى البحر وهو مثقل بحسابات الخسارة قبل أن يبدأ العمل. الوقود، الذي كان مجرد تكلفة من بين تكاليف، تحول إلى عبء قاتل يلتهم كل هامش ربح محتمل.
وكأن ذلك لا يكفي، يظهر “الفيل” في المشهد… ثقيلاً، صامتًا، لكنه حاضر بقوة. منافسة غير متكافئة تفرضها مراكب أكبر وتجهيزات أكثر تطورًا، تشتغل في نفس المصايد وتستنزف الموارد، تاركة وراءها فراغًا لا يملؤه سوى الإحباط. هنا، يشعر “السرادلية” البسطاء أنهم يُصارعون ليس فقط تقلبات الطبيعة، بل أيضًا اختلالًا في موازين القطاع، حيث تزداد الهوة بين الإمكانيات، ويضيق الهامش أمام الصيد التقليدي والساحلي.
داخل الموانئ، لم تعد الأحاديث عن “رزق البحر”، بل عن “كلفة البحر”. بحارة يتبادلون أرقام الخسائر بدل أخبار المصطادات، ويتساءلون بمرارة عن جدوى الاستمرار. بعضهم اختار التوقف مؤقتًا، وآخرون يواصلون بدافع الضرورة، لا الأمل. إنها لحظة شك حقيقية، تهدد استمرارية مهنة تشكل جزءًا من الهوية الساحلية.
الأزمة اليوم متعددة الوجوه: بيئية في عمق البحر، اقتصادية في أسعار المحروقات، وهيكلية في توازنات القطاع. وكل تأخر في معالجتها، يزيد من تعقيدها، ويدفع بالمزيد من المهنيين نحو حافة الانسحاب.
ورغم قتامة الصورة، يبقى الأمل معلقًا على تدخلات تعيد بعض التوازن: حماية المصايد، دعم مهنيي الصيد الساحلي، ومواكبة التحولات الطاقية التي لم تعد خيارًا بل ضرورة. لأن ما يحدث اليوم ليس فقط أزمة “سرادلية”، بل إنذار صريح لقطاع بأكمله.
في النهاية، يبدو أن “السرادلية” لم يعودون يواجهون موجة واحدة، بل ثلاثًا دفعة واحدة: بحر شحيح، كازوال مشتعل، و”أحوال جوية” تزاحم في صمت… ومع ذلك، يواصلون الإبحار، لأن التراجع بالنسبة له ليس خيارًا، بل خسارة هوية قبل أن تكون خسارة مهنة.