البحر أنفو – 03/04/2026 في مشهد متباين يعكس هشاشة التوازن داخل قطاع الصيد البحري، تعيش السواحل الجنوبية للمملكة على وقع مفارقة لافتة بين انتعاشة قوية بميناء العيون وركود مقلق بميناء الداخلة، في سياق تطبعه تحديات بيئية واقتصادية متشابكة.
فبميناء العيون، سجلت الأيام الأخيرة حركية وُصفت بغير المسبوقة، بعدما تمكنت مراكب صيد السردين من تحقيق مصطادات مهمة، خاصة من سمك السردين و”الكابايلا”، التي بلغت أثمنة بيعها حوالي 12,5 درهم للكيلوغرام الواحد، في مستوى اعتبره مهنيون “استثنائياً” مقارنة بالفترات السابقة. هذه الدينامية الإيجابية أعادت الروح إلى الميناء، ومكّنت عدداً من المجهزين والبحارة من تحقيق عائدات مهمة، رغم الضغط المتواصل الذي تفرضه الارتفاعات “الصاروخية” لأسعار الكازوال، والتي تلتهم جزءاً كبيراً من هامش الربح.
هذا التحسن، وإن كان محدوداً زمنياً، إلا أنه بعث إشارات أمل داخل الأوساط المهنية بإمكانية استعادة جزء من توازن المصيدة، خاصة بعد مواسم اتسمت بندرة واضحة في الأسماك السطحية، ما جعل كل “خرجة” ناجحة اليوم تُقابل بترقب كبير وآمال معلقة على استمرارية هذا الانتعاش.
في المقابل، يبدو المشهد مختلفاً تماماً بميناء الداخلة، الذي دخل في حالة شبه شلل، عقب تفعيل قرارات وزارية تقضي بإحداث محميات بحرية قارية ومؤقتة شملت مساحات واسعة من مناطق الصيد شمالاً وجنوباً، وصولاً إلى قبالة الميناء. هذا الإجراء، رغم أهميته البيئية، ضيّق الخناق بشكل كبير على أسطول صيد السردين، وأربك حسابات المهنيين الذين وجدوا أنفسهم أمام واقع جديد يحد من تحركاتهم ويقلص فرصهم في تحقيق مصطادات مجدية.
وأمام هذا الوضع، اختار عدد من المجهزين والربابنة التريث، بل والتفكير في تأجيل الالتحاق بالمراكب إلى ما بعد عيد الأضحى، في خطوة تعكس حجم القلق الذي يخيّم على القطاع، خاصة في ظل التراجع الحاد الذي تعرفه المصيدة خلال السنوات الأخيرة، بعد أن كانت الداخلة تُعد واحدة من أبرز قلاع صيد السردين والإسقمري على الصعيد الوطني.
بين انتعاشة العيون المؤقتة وركود الداخلة المقلق، يبرز سؤال جوهري حول مستقبل المصايد الجنوبية، في ظل تزايد الضغوط البيئية وارتفاع تكاليف الإنتاج، وعلى رأسها المحروقات. فهل يشكل ما يحدث مجرد مرحلة عابرة في دورة طبيعية للمصيدة، أم أننا أمام تحولات أعمق تفرض إعادة التفكير في نماذج تدبير الثروة السمكية وضمان استدامتها ؟
في انتظار الإجابة، يبقى الأكيد أن البحار ما زال يخفي الكثير من المفاجآت، وأن رهان التوازن بين الاستغلال الاقتصادي والحفاظ على الموارد بات أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.