البحر أنفو – 21/0/2026 يشهد ميناء الدار البيضاء، القلب النابض للحركة التجارية بالمغرب، وضعاً وصفه متابعون وخبراء اقتصاديون بـ”الاختناق الخطير” الذي تحول خلال الأشهر الأخيرة إلى ما يشبه “قنبلة موقوتة” تهدد التوازنات الاقتصادية والقدرة الشرائية وجاذبية المملكة للاستثمار الأجنبي، في ظل تزايد أعداد السفن المنتظرة قبالة السواحل لأيام طويلة قبل الحصول على إذن الرسو والتفريغ.
ولم يعد الأمر مجرد ضغط ظرفي على البنية المينائية، بل بات مؤشراً مقلقاً على أزمة لوجيستيكية ذات تداعيات متعددة الأبعاد، خاصة وأن ميناء الدار البيضاء يشكل واحداً من أهم الشرايين التجارية بالمملكة، بالنظر إلى حجم الواردات التي تمر عبره، سواء تعلق الأمر بالحبوب أو المواد الأولية أو السلع الاستهلاكية أو مكونات الصناعات التصديرية.
وتبرز خطورة الوضع في كون المغرب يعتمد بشكل كبير على الاستيراد لتأمين حاجياته الصناعية والغذائية، إذ إن عدداً من القطاعات الحيوية، من قبيل صناعة السيارات والطيران وتحويل الفوسفاط، ترتبط بشكل مباشر بسلاسة تدفق المواد الأولية والمدخلات الصناعية القادمة من الخارج، ما يجعل أي اضطراب في الموانئ ينعكس بشكل فوري على وتيرة الإنتاج والاستثمار.
ويرى خبراء في الاقتصاد والتجارة الدولية أن استمرار هذا الاختناق قد يؤدي إلى ما يشبه “تأثير كرة الثلج”، حيث تتوسع الأزمة تدريجياً لتطال الأسعار وسلاسل التوريد وثقة المستثمرين، في وقت تواجه فيه الأسواق الوطنية أصلاً ضغوطاً تضخمية متزايدة.
كما أن التأخر في تفريغ شحنات الحبوب والمواد الأساسية يهدد بشكل مباشر استقرار السوق الوطنية، إذ إن ارتفاع مدة انتظار السفن يرفع تكاليف الشحن والتخزين، وهو ما ينعكس تلقائياً على أسعار البيع للمستهلك النهائي، خاصة في ظل حساسية الظرفية الحالية المرتبطة بالأمن الغذائي والقدرة الشرائية للأسر المغربية.
ومن جهة أخرى، يثير الوضع قلق المستثمرين الأجانب الذين يراهنون على استقرار سلاسل الإمداد بالمغرب، باعتباره منصة صناعية ولوجيستيكية موجهة نحو الأسواق الأوروبية والإفريقية. فتعطل وصول مكون صناعي واحد قد يؤدي إلى توقف خطوط إنتاج كاملة، وهو ما قد يضعف تنافسية المغرب مقارنة بوجهات استثمارية أخرى بالمنطقة.
ويرى متابعون أن الأزمة الحالية أعادت طرح أسئلة جوهرية حول جاهزية البنيات التحتية المينائية لمواكبة التحولات الاقتصادية التي يعرفها المغرب، خاصة مع التوسع الصناعي الذي تشهده المملكة واستقطابها المتزايد للاستثمارات الأجنبية في قطاعات استراتيجية.
وفي خضم هذه التحديات، تتجه الأنظار إلى ضرورة تسريع مشاريع البنية التحتية المينائية واللوجيستيكية، مع تعزيز التنسيق بين مختلف المتدخلين لتخفيف الضغط على ميناء الدار البيضاء، عبر توجيه جزء من الحركة التجارية نحو موانئ أخرى كميناء الجرف الأصفر وطنجة المتوسط، في انتظار حلول هيكلية أكثر استدامة.
ويجمع مراقبون على أن معالجة هذا الاختناق لم تعد مجرد خيار تقني أو إداري، بل أصبحت ضرورة اقتصادية واستراتيجية ملحة، لأن استمرار الوضع الحالي قد تكون كلفته أكبر بكثير من مجرد تأخر السفن، ليصل تأثيره إلى النمو الاقتصادي والأسعار وثقة المستثمرين في السوق المغربية.