عاجل
30 مايو 2026 على الساعة 12:25

مصيدة التناوب تنزف: سفن المياه المبردة تحت المجهر..جدل متصاعد حول مستقبل الأسماك السطحية الصغيرة

البحر أنفو – 30/05/2026 مصيدة التناوب أمام اختبار الاستدامة.. هل أصبحت سفن RSW تهدد مستقبل الأسماك السطحية الصغيرة ؟

تتزايد في الأوساط المهنية بقطاع الصيد البحري الأصوات المحذرة من الوضعية المقلقة التي آلت إليها مصيدة التناوب، في ظل التراجع المتواصل لمخزونات الأسماك السطحية الصغيرة، وعلى رأسها السردين، وما يرافق ذلك من تساؤلات متزايدة بشأن مدى نجاعة تدابير التهيئة الحالية وقدرتها على ضمان استدامة هذا المورد الاستراتيجي.

ويعتبر عدد من الفاعلين المهنيين أن سفن الصيد بالمياه المبردة (RSW) أصبحت في قلب النقاش الدائر حول مستقبل المصيدة، بالنظر إلى قدراتها الكبيرة على اصطياد وتجميع كميات ضخمة من الأسماك خلال رحلات بحرية قصيرة نسبياً، وما يترتب عن ذلك من ضغط متزايد على المخزون السمكي في منطقة تعرف أصلاً تحديات بيولوجية ومناخية متنامية.

ويرى مهنيون أن استمرار بعض أساليب الصيد المعتمدة لاستهداف الأسماك السطحية الصغيرة يثير مخاوف حقيقية بشأن التوازن البيولوجي للمصيدة، خاصة عندما يتعلق الأمر باستغلال أصناف تشكل الحلقة الأساسية في السلسلة الغذائية البحرية. فالسردين، إلى جانب أصناف سطحية أخرى، لا يمثل فقط مورداً اقتصادياً مهماً، بل يشكل أيضاً قاعدة حيوية لاستمرار العديد من الأنواع السمكية والطيور والثدييات البحرية.

وبحسب إفادات متطابقة من مهنيين ومتابعين للشأن البحري، فإن مؤشرات التراجع أصبحت ملموسة خلال السنوات الأخيرة، سواء من خلال انخفاض مردودية رحلات الصيد أو تراجع أحجام المصطادات وتغير التوزيع الجغرافي للأسراب السمكية، وهو ما انعكس بشكل مباشر على نشاط أسطول الصيد الساحلي الذي يعتمد على الشباك الدائرية العائمة ويوفر آلاف مناصب الشغل المباشرة وغير المباشرة.

ويؤكد هؤلاء أن الإشكال لا يرتبط فقط بحجم المصطادات، بل كذلك بطبيعة الاستغلال الموجه للمورد السمكي، حيث تطرح تساؤلات متزايدة حول مدى انسجام بعض الممارسات مع أهداف الاستدامة التي تتبناها المملكة في تدبير الثروات البحرية، خصوصاً في ظل المؤشرات العلمية التي تدعو إلى توخي مزيد من الحذر في استغلال بعض المخزونات السمكية الحساسة.

وفي الوقت الذي تخضع فيه سفن RSW لفترات راحة بيولوجية محددة بموجب القرارات التنظيمية المعمول بها، ترتفع مطالب مهنية بضرورة إعادة تقييم هذه التدابير على ضوء التطورات الراهنة للمصيدة، من خلال مراجعة فترات التوقف البيولوجي وتكييفها مع الوضع الحقيقي للمخزون السمكي، بما يسمح بإعادة بناء الكتلة الحية للأسماك السطحية الصغيرة وضمان تجددها الطبيعي.

كما يدعو عدد من الفاعلين إلى تعزيز المراقبة العلمية للمصيدة وربط قرارات الاستغلال بنتائج الدراسات البيولوجية المحينة، إلى جانب تشديد الرقابة على أنشطة الصيد وتطوير آليات التتبع والرصد، بما يضمن التوفيق بين متطلبات الإنتاج الاقتصادي والحفاظ على التوازنات الإيكولوجية البحرية.

ويرى متتبعون أن مستقبل مصيدة التناوب لم يعد يحتمل المزيد من التأجيل، وأن الرهان اليوم لا يتعلق فقط بحماية نوع سمكي بعينه، بل بالحفاظ على منظومة اقتصادية واجتماعية كاملة تعتمد على استدامة الموارد البحرية. فكل تراجع في المخزون السمكي ينعكس بشكل مباشر على فرص الشغل والاستثمار والدينامية الاقتصادية للموانئ والمدن الساحلية المرتبطة بهذا النشاط.

ويبقى السؤال المطروح بإلحاح داخل الأوساط المهنية: هل حان الوقت لإعادة النظر في النموذج الحالي لاستغلال الأسماك السطحية الصغيرة داخل مصيدة التناوب، واعتماد مقاربة أكثر صرامة تضع استدامة المخزون فوق كل اعتبار؟ أم أن المؤشرات الحالية ستقود إلى مزيد من الضغوط على مورد بحري يشكل أحد أعمدة الاقتصاد الأزرق بالمملكة؟

و بين متطلبات الإنتاج وضرورات المحافظة على الثروة السمكية، تظل الاستدامة هي التحدي الأكبر الذي سيحدد مستقبل مصيدة التناوب والأجيال القادمة من مهنيي الصيد البحري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *