البحر أنفو – 30/05/2026 أخبار دولية مشروع “SEAWARD”.. الذكاء الاصطناعي يوحّد الأقمار الصناعية والاستشعار الصوتي لحماية مزارع الرياح البحرية متابعة:
في وقت تتجه فيه أوروبا إلى تعزيز استثماراتها في الطاقات المتجددة وتسريع التحول الطاقي، تبرز تحديات جديدة مرتبطة بحماية البنيات التحتية البحرية الحساسة، وفي مقدمتها مزارع الرياح البحرية التي أصبحت تمثل أحد الأعمدة الأساسية لأمن الطاقة في المستقبل.
وفي هذا السياق، أطلق كل من شركة Quiet-Oceans المتخصصة في الصوتيات البحرية، ومجموعة CLS الرائدة في خدمات المراقبة الفضائية، مشروعاً مبتكراً يحمل اسم SEAWARD، يهدف إلى تطوير منظومة ذكية قادرة على كشف الأنشطة المشبوهة داخل وحول مزارع الرياح البحرية من خلال الجمع بين بيانات الأقمار الصناعية وتقنيات الاستشعار الصوتي تحت الماء، مدعومة بخوارزميات الذكاء الاصطناعي.
وحصل المشروع على دعم برنامج IBreizh الذي أطلقته شركة Iberdrola المشغلة لمزرعة الرياح البحرية في سان بريوك الفرنسية، بشراكة مع القطب البحري “بريتاني-أطلنتيك”، وذلك ضمن مبادرة مخصصة لتطوير حلول مبتكرة لتعزيز أمن ومراقبة المنشآت البحرية الاستراتيجية.
مزارع الرياح البحرية أمام تحديات أمنية متزايدة
ورغم النمو المتسارع لقطاع الرياح البحرية في فرنسا وأوروبا، فإن هذه المنشآت تظل عرضة لمجموعة من المخاطر الأمنية والتقنية، بالنظر إلى امتدادها على مساحات بحرية شاسعة يصعب مراقبتها مقارنة بالبنيات التحتية البرية.
وتزداد هذه التحديات مع السماح في بعض المواقع بممارسة أنشطة موازية، كالصيد البحري أو الملاحة الترفيهية، فضلاً عن تنامي المخاوف المرتبطة بالاعتداءات المحتملة على الكابلات البحرية وخطوط نقل الطاقة، خاصة بعد الحوادث التي شهدها بحر البلطيق خلال السنوات الأخيرة، حيث تعرضت عدة كابلات وأنابيب بحرية لأضرار نُسبت إلى سفن قامت بجر مراسيها عمداً أو عن طريق الإهمال.
ومع التوسع المرتقب لقطاع الرياح البحرية، تزداد الحاجة إلى حلول مراقبة أكثر تطوراً وقدرة على التنبؤ بالمخاطر قبل وقوعها.

“الرؤية من الأعلى” و”الاستماع من الأسفل”
يقوم مشروع SEAWARD على فكرة بسيطة في ظاهرها، لكنها بالغة التعقيد من الناحية التقنية، وتتمثل في دمج مصدرين مختلفين للمعلومات حول النشاط البحري.
فمن جهة، توفر الأقمار الصناعية التابعة لمجموعة CLS رؤية شاملة لحركة السفن والأنشطة البحرية فوق سطح الماء، عبر أنظمة مراقبة متقدمة تعتمد على صور الأقمار الصناعية وبيانات الملاحة.
ومن جهة ثانية، تعتمد شركة Quiet-Oceans على شبكة من أجهزة الاستشعار الصوتي والهيدروفونات القادرة على التقاط وتحليل الأصوات المنبعثة من السفن والأنشطة البشرية تحت سطح البحر.
ويؤكد القائمون على المشروع أن كل تقنية تقدم زاوية مختلفة لفهم ما يجري في البيئة البحرية، غير أن دمجهما يتيح بناء صورة أكثر دقة وشمولية، قادرة على التمييز بين الأنشطة العادية والأنشطة التي تستدعي الانتباه.
كشف “التنافر” لرصد السلوكيات المشبوهة
ويعتمد جوهر المشروع على البحث عن ما يصفه المطورون بـ”التنافر المعلوماتي” أو عدم التطابق بين ما ترصده الأقمار الصناعية وما تكشفه المستشعرات الصوتية.
فعلى سبيل المثال، قد تظهر صور الأقمار الصناعية سفينة تبدو شبه ثابتة في موقعها، بينما تشير البصمة الصوتية الصادرة عنها إلى أنها تعمل بكامل طاقتها وكأنها في حالة حركة مستمرة.
هذا التناقض قد يشكل مؤشراً على سلوك غير طبيعي، مثل قيام السفينة بجر مرساة أو جسم معدني فوق قاع البحر، بما قد يشكل تهديداً للكابلات الكهربائية أو البنى التحتية الموجودة تحت الماء.
ومن خلال تحليل هذه المؤشرات بواسطة تقنيات الذكاء الاصطناعي، يسعى المشروع إلى إصدار تنبيهات مبكرة تسمح للمشغلين بالتدخل قبل وقوع أضرار محتملة.

حماية الكابلات والمنشآت الحيوية
وتعتبر كابلات تصدير الكهرباء من أكثر العناصر حساسية داخل مزارع الرياح البحرية، إذ لا تقتصر وظيفتها على نقل الطاقة المنتجة إلى اليابسة، بل تضمن أيضاً الاتصالات والتحكم في تشغيل التوربينات والمنظومات التقنية المرتبطة بها.
كما تشكل المحطات الكهربائية البحرية، التي تجمع الطاقة المنتجة وتعيد توجيهها نحو الشبكات الوطنية، نقاطاً استراتيجية تتطلب أعلى مستويات الحماية والمراقبة.
وسيستفيد مشروع SEAWARD خلال مرحلته التجريبية من قاعدة بيانات ضخمة تضم معطيات فضائية وصوتية تم جمعها على مدى سنوات داخل مزرعة سان بريوك، التي تتوفر منذ سنة 2019 على سبعة هيدروفونات مخصصة لمراقبة البيئة البحرية والضجيج تحت الماء.
آفاق تتجاوز قطاع الرياح البحرية
ورغم أن المشروع وُلد أساساً لخدمة مزارع الرياح البحرية، فإن إمكاناته تمتد إلى مجالات أوسع بكثير.
فالتكنولوجيا نفسها يمكن توظيفها لحماية كابلات الاتصالات البحرية، والمنصات النفطية، ومحطات تخزين الطاقة، والموانئ التجارية، وحتى المنشآت ذات الطابع الدفاعي والعسكري.
كما يمكن مستقبلاً توسيع نطاق المنظومة لتشمل مصادر إضافية للبيانات، من بينها الرادارات البحرية والكاميرات الذكية والطائرات المسيّرة، ما يحولها إلى منصة متكاملة لتجميع وتحليل المعلومات البحرية في الزمن الحقيقي.
ومع تزايد الاعتماد العالمي على البنيات التحتية البحرية الحيوية، يبدو أن الجمع بين “عيون الأقمار الصناعية” و”آذان المحيط” قد يشكل أحد أهم الحلول التكنولوجية الواعدة لتعزيز أمن الفضاءات البحرية وحماية الاستثمارات الاستراتيجية في العقود المقبلة.