البحر أنفو – 17/07/2025 الدار البيضاء على صفيح ساخن: سباق دولي لاقتناص صفقة استراتيجية في بناء السفن والمغرب يشدد على أولوية السيادة الاقتصادية متابعة:
يشهد ملف إنشاء ورشة صناعية كبرى لبناء وإصلاح السفن التجارية في ميناء الدار البيضاء تصاعداً غير مسبوق في التوترات والتحركات الدبلوماسية والاقتصادية، بعد أن تحوّل إلى ورش سيادي ذي بعد استراتيجي، في ظل انخراط المملكة المغربية في تنفيذ التوجيهات الملكية ذات الصلة بالمبادرة الأطلسية وتعزيز القدرات الوطنية في النقل البحري التجاري.
الصفقة، التي أُعلن عن طلب العروض الدولي بشأنها في أبريل 2025، تبلغ قيمتها الاستثمارية التقديرية حوالي 300 مليون دولار أمريكي، وتشكل محوراً لمنافسة شرسة بين فاعلين اقتصاديين من خلفيات متعددة، تشمل مجموعات صناعية من كوريا الجنوبية، الصين، إسبانيا، الهند، فرنسا، وهولندا، إلى جانب مقاولات وطنية ذات طموح سيادي واضح.
ورغم أن المساطر الإدارية والقانونية لم تبلغ بعد مرحلة فتح الأظرفة التقنية بشكل نهائي، تعالت في الأسابيع الأخيرة شائعات حول “حسم الصفقة” لفائدة تكتل كوري، ما أثار ردود فعل قوية من قبل الفاعلين المحليين والمهنيين، الذين نبّهوا إلى خطورة الإشاعات الموجهة ومحاولات التأثير غير المشروع على مسار العروض.

ورش استراتيجي تحت ضغط دولي: تحديات التموقع الجيوصناعي
في تعليق له على الموضوع، شدد حسن السنتيسي الإدريسي، رئيس الجمعية المغربية للمصدرين (ASMEX)، على أهمية تحصين هذا المشروع من التأثيرات الخارجية التي قد تفرغ مضامينه من أبعاده السيادية، لاسيما في ظل الحديث عن عروض مصدرها بلدان لا تربطها علاقات دبلوماسية متكاملة مع المغرب، أو لا تعترف بسيادته الكاملة على أقاليمه الجنوبية.
وأكد الإدريسي أن الصفقة لم تُحسم بعد تقنياً أو مالياً، موضحاً أن فتح الملفات التقنية مقرر خلال الأسابيع المقبلة، على أن تُحال الملفات المالية على لجنة الانتقاء في 17 أكتوبر المقبل، بينما لن يُعلن عن الفائز بالعرض قبل 27 أو 28 أكتوبر 2025.
ويُبرز الإدريسي أن الرؤية الملكية، كما وردت في خطاب المسيرة الخضراء لعام 2023، تضع مفهوم السيادة الاقتصادية في صلب السياسة الصناعية الوطنية، ما يستوجب توخي الحذر في إرساء عقود استراتيجية مع شركاء لا يراعون هذا البعد.
الشراكات متعددة الأطراف: السيناريو الأكثر توازناً
في ظل وجود فاعلين كبار مثل الصينيين، المعروفين بريادتهم العالمية في بناء السفن (مع احتضانهم لأكبر مصانع السفن في العالم)، والإسبان الذين يتمتعون بخبرة تقنية وميدانية متميزة في المياه الإقليمية المغربية، يتنامى خيار تشكيل كونسورتيوم صناعي دولي يضم أطرافًا متعددة، ما من شأنه تحقيق توازن دقيق بين نقل التكنولوجيا، وتعزيز الإنتاجية، وضمان استمرارية السيادة الوطنية.
وفي هذا الإطار، دعا الإدريسي إلى اعتماد مقاربة تشاركية منفتحة ولكن مشروطة، تتيح للمغرب الاستفادة من أفضل الخبرات العالمية، دون التفريط في المبادئ السيادية ولا في الامتدادات الجيوسياسية للمشروع، خاصة أن إنشاء ورش من هذا الحجم سيلعب دورًا مركزيًا في تحقيق هدف بلوغ 100 ناقلة تجارية وطنية في أفق سنة 2040.

الفرصة التاريخية لإعادة تموقع القطاع البحري الوطني
يرى العديد من المهنيين أن المغرب أمام فرصة تاريخية لإعادة هيكلة منظومته البحرية التجارية، بعد عقود من التراجع الذي بدأ بخصخصة شركة “كوماناف”، وما تبعها من انكماش في الأسطول الوطني الذي تراجع من 60 باخرة إلى أقل من 15 وحدة صالحة للخدمة.
ويطالب هؤلاء بضرورة تفعيل آليات التمويل العمومي عبر الصندوق المركزي للضمان، ومراجعة قرار تجميد خطوط التمويل السابقة، لتمكين هذا المشروع من الانطلاق الفعلي، خصوصاً أن المغرب يتوفر على بنية تحتية متميزة ومجال بحري يفوق في مساحته اليابسة، إضافة إلى وجود معاهد تقنية متخصصة في تكوين الموارد البشرية البحرية.