البحر أنفو – 28/08/2025 مشروع قانون المالية 2026: بين الطموح التنموي وتكريس دولة اجتماعية شاملة متابعة: في سياق دولي مطبوع بعدم اليقين، اختار المغرب أن يواجه التحديات الاقتصادية والاجتماعية بروح من الثقة والواقعية، عبر مشروع قانون المالية لسنة 2026، الذي يترجم بوضوح إرادة سياسية معلنة في الجمع بين النمو المستدام، صيانة التوازنات الماكرو-اقتصادية، ودفع عجلة الاستثمار مع تعزيز العدالة الاجتماعية.
مؤشرات مطمئنة ورهانات طموحة
ينبني هذا التوجه على مؤشرات اقتصادية في تحسن، إذ يتوقع أن يتراجع عجز الميزانية إلى 3% من الناتج الداخلي الخام سنة 2026، مقابل 3,5% في 2025، مع احتواء المديونية في حدود 65,8%، فضلاً عن تسجيل معدل تضخم معتدل لم يتجاوز 1,3% إلى غاية يونيو 2025. هذه المؤشرات تمنح مصداقية إضافية للاستراتيجية المالية المعتمدة، وتمنح هامشاً أوسع للرهان على معدل نمو في حدود 4,5%، مدفوع أساساً بالقطاعات غير الفلاحية.
الاستثمار محرك التحول
يراهن مشروع قانون المالية الجديد على الاستثمار باعتباره المحرك الأساسي للتحول الهيكلي، مستنداً إلى ارتفاع تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة بنسبة 28% إلى غاية منتصف 2025، وإلى تفعيل الميثاق الجديد للاستثمار الذي يوجه هذه الموارد نحو القطاعات ذات القيمة المضافة العالية. كما يبرز دور القطاعات الواعدة – الصناعة، الطاقات المتجددة، الرقمنة والسياحة – في تنويع الاقتصاد الوطني وتعزيز تنافسيته.
تحدي التشغيل والإدماج الاجتماعي
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، يظل ملف التشغيل مصدر قلق، إذ بلغ معدل البطالة 12,8% في الفصل الثاني من 2025، مع تفاقم حدته بين الشباب والنساء وحاملي الشهادات. لذلك يقترح المشروع خريطة طريق تقوم على ثمانية محاور رئيسية، تشمل تطوير الكفاءات، دعم الاستثمار، وتعزيز الاندماج السوسيو-اقتصادي، بهدف خفض البطالة إلى 9% في أفق 2030.
العدالة الاجتماعية في صلب الأولويات
يولي مشروع قانون المالية 2026 مكانة مركزية لتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، عبر النهوض بقطاعات التعليم والصحة والسكن والماء.
في مجال التعليم، يستهدف برنامج المدارس الريادية 1,3 مليون تلميذ، فيما يتوسع نظام مدارس الفرصة الثانية لتدارك الهدر المدرسي.
في قطاع الصحة، شملت عملية إعادة التأهيل 949 مؤسسة صحية أولية من أصل 1400 مبرمجة، بينما تستعد مستشفيات أكادير والعيون الجامعية لفتح أبوابها، ضمن دينامية تشمل تعميم التأمين الصحي الإجباري الذي وصل إلى 88% من الساكنة.
أما على مستوى السكن، فقد استفادت أزيد من 57 ألف أسرة من برنامج الدعم المباشر، نصفها تقريباً تقوده نساء، في حين تم إعلان 62 مدينة خالية من السكن غير اللائق.
مواجهة الإجهاد المائي وإعادة البناء
يتضمن المشروع رؤية استباقية لإدارة الموارد المائية في ظل الإجهاد المستمر، من خلال بناء سدود جديدة، تسريع مشاريع التحلية، وتحقيق إنتاج يصل إلى 1,7 مليار متر مكعب سنوياً في أفق 2030. كما يولي اهتماماً خاصاً للعالم القروي والمناطق الجبلية، تعزيزاً للإنصاف المجالي.
أما في المناطق المتضررة من زلزال الحوز، فقد تم رصد 14,5 مليار درهم، منها 7,3 مليار لدعم الأسر مباشرة، في إطار مقاربة تروم العدالة الاجتماعية وإعادة بناء الثقة.
إصلاح مؤسساتي وهيكلي
على المستوى المؤسساتي، يعكس مشروع قانون المالية إرادة إصلاحية شاملة، تشمل مراجعة القانون التنظيمي للمالية لإرساء إطار أكثر صرامة للبرمجة متعددة السنوات وضمان استدامة الدين، إلى جانب تعزيز التحول الرقمي للإدارة، تبسيط المساطر، وتقريب الخدمات من المواطن.
كما يندرج في ذات التوجه إصلاح الخريطة القضائية، مراجعة مدونة الأسرة، إدماج اللغة الأمازيغية في المرافق العمومية، وتوسيع مجال العقوبات البديلة.
نحو مرحلة جديدة من البناء الوطني
إن مشروع قانون المالية لسنة 2026 يتجاوز كونه أداة تقنية لتدبير المالية العمومية، ليشكل لبنة إضافية في مسار بناء نموذج مغربي خاص يجمع بين النجاعة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية. ورغم رهانات التنفيذ والقيود الإدارية، يبقى الرهان الأكبر هو جعل هذا النص مدخلاً إلى مرحلة جديدة من النمو الشامل والمستدام، في انسجام مع طموحات المملكة نحو ترسيخ موقعها كدولة صاعدة، عادلة وقوية.