عاجل
13 نوفمبر 2025 على الساعة 11:53

سفينة البحث العلمي“ابن سينا II”تخضع للصيانة بالورش الجاف بميناء أكادير بعد شهور من التوقف..مشروع علمي طموح يترنح بين الغموض و الخلافات

البحر أنفو – 13/11/2025 منذ شهور طويلة، ترسو سفينة الأبحاث «ابن سينا II» في حالة من السكون الغامض، بعدما كان يُفترض أن تكون واحدة من مفاتيح النهوض بالبحث العلمي البحري في المغرب، وأداة ميدانية لتوسيع نطاق الدراسات الساحلية. التساؤل الذي يطرح نفسه اليوم بإلحاح : لماذا ظلت هذه السفينة المعطّلة خارج الخدمة كل هذا الوقت؟

وما طبيعة الخلاف القائم بين إدارة ورش بناء السفن التركي “لوتشا” الذي تولّى إنجازها، وإدارة المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري المفترض أن يتسلمها لتدخل الخدمة منذ شهور؟ المعلومات المتوفرة تشير إلى أن المشروع واجه منذ فترة تسليم السفينة تعقيدات تقنية وإدارية حالت دون دخولها الفعلي مرحلة التشغيل.

فبينما يؤكد الجانب التركي أن السفينة ربما استوفت المعايير المتفق عليها في العقد، تتحدث مصادر مقربة من المعهد عن نقائص في بعض التجهيزات العلمية والملاحية، وعدم مطابقتها للمواصفات التقنية المطلوبة لعمليات البحث الدقيقة في السواحل الوطنية أو تعرضها لأعطال يستوجب تدخل الورش المصنع.

هذا الخلاف ظل يتفاعل في صمت، دون أي إعلان رسمي من الطرفين، بينما بقيت السفينة راكدة مند شهور في الميناء، وكأنها رهينة جدل لا نهاية له. وخلال الأيام الأخيرة، أُعيد الملف إلى الواجهة بعد رفع السفينة إلى الورش الجاف بميناء أكادير لإخضاعها لعملية صيانة وإصلاح شاملة. خطوة وُصفت بأنها محاولة لتدارك الأعطاب التقنية التي ظهرت بعد أشهر من الجمود، لكنها في الوقت نفسه فتحت الباب أمام تساؤلات جديدة : هل يتعلق الأمر بتهيئها لتسليم نهائي قريب؟ أم مجرد محاولة لإنقاذ مشروع بدأ يفقد بريقه؟ لا أحد يملك جواباً رسمياً. فإدارة المعهد لم تُصدر أي بلاغ يوضح الوضع الراهن، ولا الجهة التركية كشفت عن مصير الخلاف التقني الذي مازال، على ما يبدو، عالقاً.

هذا الغموض يثير أيضاً نقاشاً أوسع حول سبب اختيار بناء السفينة في ورش أجنبي، في حين يتوفر المغرب على أوراش بحرية متقدمة في أكادير وطان طان، كان بإمكانها تنفيذ المشروع بنفس المعايير وربما بمتابعة أكثر قرباً وجودة. فالتأخر في تسلم السفينة، وتوقفها لشهور، يعني عملياً تعطيل مهام البحث العلمي التي كانت ستنفذها على طول السواحل الأطلسية، خصوصاً في مرحلة دقيقة تعرف فيها الدراسات البحرية حاجة ماسة إلى بيانات حديثة حول النظم الإيكولوجية الساحلية وجودة المياه والتربة البحرية.

ورغم كل هذا التعثر، تبقى “ابن سينا II” مشروعاً ذا أهمية استراتيجية بالغة. فالسفينة التي يبلغ طولها 22 متراً، تم اقتناؤها بكلفة تقارب 34 مليون درهم في إطار تعاون بين المغرب والاتحاد الأوروبي في مجال الصيد البحري واستدامة المحيطات.

وقد صُممت خصيصاً لتُكمل أسطول سفن البحث الأوقيانوغرافي المغربية، وتُتيح للباحثين الوصول إلى مناطق ساحلية ضحلة يصعب بلوغها بالسفن الكبيرة. إنها أشبه بالمختبر العائم، مجهزة بمخبرين بيولوجي وكيميائي، وأجهزة قياس أوقيانوغرافية، وسونارات متطورة لرسم خرائط قاع البحر وأخذ العينات من التربة والمياه، إضافة إلى معدات حديثة يمكن التحكم فيها عن بعد لإجراء دراسات ميدانية دقيقة. لكن كل هذه الإمكانيات التقنية تظل مجمّدة طالما لم تُحسم مسألة التسليم النهائي للسفينة.

فالمغرب، الذي يراهن على تعزيز مكانته في الاقتصاد الأزرق عبر تطوير البحث العلمي البحري، لا يمكنه تحمّل كلفة توقف وحدة بحثية بهذا الحجم، خصوصاً في ظل التحديات البيئية الراهنة التي تواجه السواحل الوطنية.

اليوم، ومع إخضاع السفينة لأشغال الصيانة في أكادير، يعود الأمل في أن يتم تجاوز هذا الجمود، لكن الأسئلة تبقى قائمة: من يتحمل مسؤولية هذا التأخير؟ ولماذا لم تُعالج الإشكالات التقنية في وقتها؟ وهل سنشهد أخيراً انطلاق “ابن سينا II” في مهامها العلمية التي تأخرت كثيراً ؟ أسئلة مفتوحة تنتظر إجابات شفافة، لأن مشاريع من هذا النوع ليست مجرد تجهيزات عائمة، بل رموز لخيارات استراتيجية في بناء مغرب بحري علمي حديث، يربط بين طموح المعرفة وحكمة التدبير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *