البحر أنفو – 15/11/2025 في خطوة علمية تعكس تطور أدوات البحث البحري في المغرب، قام فريق متخصص من المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري، أول أمس، بتركيب جهاز قياس التيارات البحرية “كورانتومتر” و جهاز sonde محيطية متعددة المعايير بسواحل طرفاية، داخل المنطقة البحرية المغلقة المخصّصة لحماية مجال تفريخ السردين.
وتم اختيار موقع التثبيت استنادا إلى تحاليل علمية دقيقة تراعي دينامية التيارات واتجاهها وعمق المياه ونقاط التقاطع بين التيارات الساحلية والتيارات العميقة، إضافة إلى اعتبارات مرتبطة بسلامة الجهاز واستقراره، وهو ما توضحه الخرائط المرفقة التي تبين موقع التركيب الحقيقي داخل مجال الإغلاق البيولوجي الذي يُعد أحد أهم مواقع التجدد الطبيعي لأسماك السردين على مستوى الساحل الأطلسي الجنوبي.
ويهدف هذا المشروع إلى تعزيز الرصد البيئي المستمر داخل هذه المنطقة الحساسة، من أجل تتبع الظروف المحيطية التي تتحكم في دورات حياة السردين، خصوصا أنه يُعتبر من الأنواع التي تتأثر بشكل مباشر بالتغيرات الحرارية والهيدروديناميكية. فالجهاز المثبت يسمح بقياس سرعة واتجاه التيارات البحرية بتفاصيل دقيقة، ما يوفر للباحثين قدرة أكبر على فهم كيفية انتقال بيوض السردين ويرقاته داخل مجال التفريخ، وكيف تتفاعل هذه الكتل المائية مع تقلبات الطقس البحرية ومواسم الرياح، خاصة في منطقة تعرف نشاطا هيدروديناميكيا قويا مثل سواحل طرفاية.

أما جهاز “السوندة” sonde المحيطية فتقدم معطيات آنية حول درجة الحرارة والملوحة والأوكسجين الذائب والضغط، وهي مؤشرات أساسية لتقييم جودة الوسط البحري ورصد أي تغيرات بيئية قد تؤثر على نجاح عملية التفريخ ونمو اليرقات حيث تُعتبر هذه البيانات حجر الأساس الذي يبني عليه المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري نماذجه العلمية الخاصة بتدبير المصايد، كما تتيح للفرق البحثية تحليل التغيرات الموسمية وتقدير مدى ملاءمة المنطقة لاحتضان الأجيال الجديدة من المخزون السمكي.
وتدخل هذه العملية في إطار برنامج أوسع يعتمده المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري، يقوم على استعمال أجهزة القياس المتطورة لتعزيز المعرفة الدقيقة بالأنظمة البحرية المغربية. ويُعد هذا التوجه تجسيدا للإستراتيجية الوطنية التي تجعل من المعلومة العلمية ركيزة أساسية لتدبير عقلاني للمصايد وضمان استدامة الثروة السمكية. فالمعهد الوطني للبحث في الصيد البحري، من خلال هذا النوع من المبادرات، يطور قاعدة بيانات متكاملة تساعد القطاعات الوصية على اتخاذ قرارات مبنية على العلم، سواء تعلق الأمر بتحديد فترات الإغلاق، أو تقييم فعالية التدابير المتخذة، أو ضبط جهود الصيد بما يتماشى مع قدرة المخزون على التجدد الطبيعي.
وبهذا العمل الميداني، يواصل المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري تعزيز قدراته في الرصد العلمي للمناطق الحساسة، مؤكدا أن حماية مواقع التفريخ ليست مجرد قرار إداري، بل مشروع علمي مستمر يتطلب أدوات دقيقة ومراقبة زمنية طويلة النفس. كما يشكل تركيب هذه الأجهزة خطوة إضافية نحو بناء منظومة بحثية متطورة تعتمد على البيانات المباشرة، وتساهم في توجيه السياسات الوطنية نحو استغلال أكثر عقلانية للمخزون السمكي، بما يحافظ على التوازن البيئي ويضمن استدامة قطاع استراتيجي يشكل عمودا اقتصاديا مهما على طول السواحل المغربية.
