البحر أنفو – 02/12/225 بوجدور لم يعد النقاش حول تثمين الثروة السمكية في المغرب مجرد خيار مهني أو مطلب فئوي، بل صار عنواناً لمرحلة جديدة من تحولات استراتيجية أليوتيس، التي وضعت الجودة والتنافسية في صلب رؤية تطوير قطاع الصيد البحري. واليوم، ومع ما يشهده السوق الوطني من تغيّر في موازين العرض والطلب، تعود قضية السردين لتفرض نفسها بقوة، خصوصاً بعد التراجع الملموس في المخزون وارتفاع قيمة هذا المنتوج داخل المصانع والأسواق.
في عدد من موانئ المملكة، أصبح البيع بالدلالة قاعدة وليس استثناءً. آلية شفافة مكّنت من إعادة ترتيب السوق ورفع قيمة السردين، بل ومنحت للبحارة وللوحدات الصناعية فرصة حقيقية للتعامل وفق قواعد عادلة. لكن وسط هذه الدينامية، يبرز سؤال يُطرح بإلحاح في الأوساط المهنية:
إلى متى سيظل ميناء بوجدور خارج هذا المسار ؟
ميناء بوجدور، الذي ظلّ لسنوات مرجعاً في استقرار المصيدة ومردوديتها، يحتفظ بوضع مختلف عن باقي الموانئ. فهنا، يُسوّق السردين وفق برامج خاصة مرتبطة بـ«لابوانت» و« آمي »، وهي برامج يُجمع المهنيون اليوم على أنها لم تعد تتماشى مع السياق الجديد. ليس لأنها غير مفيدة، ولكن لأنها بصيغتها الحالية باتت تحول دون تنزيل مقاربة التثمين التي تبني عليها الدولة مستقبل قطاعها البحري.
البحارة في المنطقة يعتبرون أن الدلالة ليست تهديداً لأي برنامج، بل هي امتداد طبيعي لسلسلة تثمين السردين. آلية تمنح المنتوج قيمته الحقيقية، وتفرض منافسة سليمة، وتوجه أفضل المصطادات نحو الوحدات المحلية أولاً، بهدف حماية آلاف مناصب الشغل المرتبطة بالتصبير والتجميد فهذه الوحدات ليست فقط مؤسسات اقتصادية، بل رئة اجتماعية للمنطقة بأكملها.
ومع تراجع المخزون الوطني وارتفاع الطلب، لم يعد السردين “سمكاً شعبياً” بالمعنى التقليدي، بل أصبح مادة استراتيجية. مصانع عديدة أصبحت تعتمد عليه كمادة رئيسية، وبعضها يواجه صعوبات في ضمان التزويد المستقر، خاصة حين لا تكون السوق مفتوحة أمام قواعد شفافة مثل الدلالة.
في بوجدور، ورغم كل الاستثناءات التنظيمية السابقة، حافظت المصيدة على مستوى نشاط مستقر، وعلى مردودية تثير انتباه مهنيي الشمال والجنوب على حدّ سواء. بحر لا يخون مواسمه بسهولة، ومنطقة عُرفت بثرائها وتوازنها الكتبي. وهذا ما يجعل خيار الدلالة أكثر من مجرد نقاش تقني: إنه ضرورة لبقاء النموذج الاقتصادي المحلي قائماً.
فإذا كانت استراتيجية أليوتيس قد رفعت شعار “الجودة قبل الكمية”، واعتبرت التثمين مفتاح التنافسية، فإن هذا المبدأ يجب أن يجد طريقه أيضاً إلى بوجدور. فالسردين هنا، قبل أن يكون ثروة بحرية، هو مصدر عيش ووقود مصانع ومُحرّك أساسي لدورة اقتصادية محلية واسعة. ولن يتحقق التثمين الحقيقي إلا حين يُعرض المنتوج في سوق مفتوحة، يتنافس فيها الجميع على الجودة، وتحكمها آليات شفافة تُنصف البحّار والوحدة الصناعية في الوقت نفسه.
لقد آن الأوان كي تُتاح لأسماك السردين في بوجدور فرصة الارتقاء إلى مستوى قيمتها الفعلية، وأن تنتقل المنطقة من وضع “الاستثناء” إلى وضع “القاعدة الوطنية” في البيع بالدلالة. لأن الحفاظ على هذا المسار ليس مجرد إصلاح تقني، بل قرار استراتيجي يحمل مصلحة سلاسل الإنتاج، واستدامة المخزون، وتنمية المنطقة، وضمان مستقبل مهنيي البحر.
وإذا كان المغرب يطمح إلى أن يجعل التثمين محركاً أساسياً لاقتصاده الأزرق، فإن إدماج بوجدور في نظام الدلالة لن يكون مجرد خطوة تنظيمية… بل سيكون الشرارة التي تعيد ترتيب السوق، وترفع قيمة المنتوج، وتعيد الاعتبار لمجهود البحّار، ولإرث بحري ظل على الدوام أحد أعمدة قوة الإقليم.