البحر أنفو – 26/12/2025 في إطار تنزيل مقاربة بيئية متقدمة تروم التوفيق بين استدامة الثروة البحرية واستمرارية النشاط المهني، أطلقت كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري منذ الموسم الماضي تجربة رائدة ترمي إلى اجتثاث القوارير البلاستيكية من مصيدة الأخطبوط لدى قوارب الصيد التقليدي، وتعويضها بوسيلة صيد بديلة وصديقة للبيئة، تتمثل في الغراف الطيني.
هذه الخطوة، التي انطلقت في سياق تجربة أولية، لم تكن مجرد إجراء تقني معزول، بل جاءت في صلب رؤية استراتيجية شمولية تستحضر الإكراهات البيئية المتنامية، وما يرافقها من تحديات مرتبطة بتلوث الوسط البحري بمخلفات البلاستيك، وما يشكله ذلك من تهديد مباشر للنظم الإيكولوجية البحرية ولمخزون الرخويات، وفي مقدمتها الأخطبوط.

وخلال التحضيرات الجارية حالياً بعدد من الموانئ، وعلى رأسها ميناء سيدي إفني، يبرز بوضوح انتقال ملموس في مواقف المهنيين. فبعد مرحلة من التوجس المشروع لدى بعض البحارة، أفرزت التجارب الميدانية المتتالية نتائج إيجابية مشجعة، سواء من حيث مردودية الغراف الطيني، أو من حيث سهولة استعماله وتوافقه مع خصوصيات الصيد التقليدي. وهو ما انعكس في ارتفاع ملحوظ في الإقبال على هذه الوسيلة الجديدة، وتحولها تدريجياً من مجرد تجربة إلى ممارسة مهنية آخذة في الترسيخ.
ولا يخفى أن هذا التحول يشكل مكسباً بيئياً بالغ الأهمية، إذ يساهم بشكل مباشر في الحد من التلوث البلاستيكي، ويقلص من مخاطر فقدان القوارير داخل البحر، وما يترتب عنها من أضرار طويلة الأمد على الأحياء البحرية. كما أن اعتماد مواد طبيعية قابلة للتحلل يعكس وعياً متنامياً بأهمية حماية المجال البحري باعتباره رأسمالاً جماعياً للأجيال الحالية والمستقبلية.

وفي هذا السياق، تُحسب لكتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري جهودها المتواصلة في مواكبة المهنيين، وتأطيرهم، وفتح قنوات التشاور قبل تعميم أي إجراء، بما يضمن نجاعة القرارات المتخذة وقبولها الميداني. كما يعكس هذا الورش إرادة مؤسساتية واضحة للانتقال من التدبير الظرفي إلى تدبير مستدام يقوم على الابتكار واحترام البيئة دون الإضرار بالتوازنات الاجتماعية والاقتصادية للقطاع.
إن تجربة الغراف الطيني، بما راكمته من مؤشرات نجاح، تشكل اليوم نموذجاً عملياً لإمكانية تحقيق التلاقي بين حماية البيئة البحرية وتطوير أدوات الصيد التقليدي، وتؤكد أن الرهان على الحلول البيئية لم يعد خياراً ثانوياً، بل مساراً حتمياً نحو صيد مسؤول، نظيف، ومستدام.
