البحر أنفو – 03/01/2026 البحث العلمي يؤكد المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري، استنادًا إلى معطيات علمية موثوقة راكمها عبر سنوات من البحث والتتبع الميداني، أن الأخطبوط يُعد من الأصناف السمكية ذات الدورة الحياتية المعقدة والحساسة، إذ يتميز بقدرة على التكاثر على مدار السنة، ارتباطًا بمجموعة من العوامل البيئية الأساسية، في مقدمتها درجات حرارة المياه وتوفر العناصر الغذائية الضرورية لنموه وبقائه.
ووفقًا للأبحاث البيولوجية والدراسات العلمية المنجزة حول دينامية هذا الصنف، تمكن المعهد من تحديد فترتين واضحتين للتفريخ، الأولى رئيسية خلال فصل الربيع، والثانية ثانوية خلال فصل الخريف، وهو ما يقود علميًا إلى استنتاج أساسي مفاده أن صغار الأخطبوط تكون متواجدة في المصايد البحرية على امتداد السنة.
وانطلاقًا من هذا المعطى العلمي الثابت، يشدد المعهد على أن استهداف صغار الأخطبوط يشكل تهديدًا مباشرًا وفوريًا لتجدد المخزون السمكي على المدى القريب، كما ينعكس سلبًا على استدامة هذا الصنف الاستراتيجي على المدى المتوسط والبعيد. وعليه، فإن احترام القوانين المنظمة للصيد البحري، سواء المتعلقة بآليات الصيد المستعملة أو بضوابط الاستغلال، يظل شرطًا أساسيًا لا محيد عنه، مع ضرورة القطع مع بعض السلوكات الممنهجة التي تقوض الجهود المبذولة للحفاظ على التوازن البيولوجي للمصايد.
وفي هذا السياق، يؤكد المعهد أن البحث العلمي، رغم مركزيته، لا يمكن أن يحقق أهداف الاستدامة بمعزل عن انخراط فعلي وشامل للمهنيين، إذ إن تدبير مصيدة الأخطبوط بشكل عقلاني يستوجب مقاربة تشاركية وتكييفية، تقوم على تقاسم المسؤولية بين الإدارة الوصية، والمؤسسة العلمية، والفاعلين المهنيين، في إطار رؤية موحدة تروم الحفاظ على المخزون السمكي وضمان استمراريته للأجيال القادمة. فالعلم وحده لا يكفي، واليد الواحدة لا تصفق، كما أن جزءًا مهمًا من الحقيقة الميدانية يظل بيد المهنيين باعتبارهم الفاعل الأول والحاضر الدائم داخل المصايد.

ويعتمد المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري، في بناء تقاريره العلمية، على منظومة متكاملة من أدوات التتبع والرصد، تشمل تنظيم خرجات علمية بواسطة سفن البحث من أجل دراسة الكتلة الحية، وتقدير نسب المخزون، وتحليل تطوره الزمني، فضلًا عن تتبع المفرغات السمكية عبر شبكة من المراكز الموزعة على مختلف السواحل الوطنية، حيث يتم أخذ العينات، وفرز إناث الأخطبوط، وتجميع المعطيات البيولوجية والتقنية، ومراجعة آليات الصيد المستعملة. وتُحال هذه المعطيات لاحقًا على التحليل والدراسة والمقارنة مع مجهود الصيد المبذول، في إطار مقاربة علمية دقيقة تهدف إلى تقليص هامش الخطأ وتعزيز موثوقية النتائج.
غير أن المعهد يقر بأن المعطيات التي يصرح بها المهنيون، سواء خلال الاجتماعات الرسمية أو عبر مراكز التفريغ، تشكل ركيزة أساسية في البحث العلمي، نظرًا لاعتماد الدراسات بشكل كبير على هذه المعلومات ذات الطابع الميداني. ومن هذا المنطلق، أطلق المعهد مشروع “الصيد الخفير”، الذي يهدف إلى تمكين المهنيين من إيصال معطيات شبه آنية وواقعية حول وضعية المصايد، بما يسمح بتحسين دقة التقديرات العلمية وتقوية قاعدة اتخاذ القرار.
ويُنظر إلى المهني في هذا الإطار باعتباره مراقبًا أوليًا للمصيدة، يمتلك خبرة متراكمة ومعرفة دقيقة بتغيرات البحر وسلوك الموارد، وهو ما يجعل مصداقية المعلومات التي يقدمها عنصرًا حاسمًا في حماية الثروة السمكية.
وتبني كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري قراراتها التنظيمية على التقارير العلمية التي ينجزها المعهد، بهدف تحقيق الاستغلال الأمثل للموارد البحرية. وقد أثبتت التجربة أن التواصل المباشر من طرف المهنيين حول مؤشرات مقلقة، من قبيل انتشار صغار الأسماك في مناطق معينة، يتيح للمعهد القيام بتحقيقات ودراسات مستعجلة، تُحال نتائجها بشكل فوري على الإدارة الوصية، ما يسمح باتخاذ قرارات آنية، كإغلاق بعض المناطق البحرية حمايةً لصغار الأسماك وضمانًا لتجدد المخزون.

ويخلص المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري إلى أن الأخطبوط، بحكم قصر دورة حياته التي لا تتجاوز في أقصى تقدير سنة إلى سنة ونصف، يفرض مقاربة تدبيرية دقيقة وحذرة، تأخذ بعين الاعتبار تواجده المستمر في طور الصغار على مدار السنة. وهو ما يستدعي من جميع الفاعلين، وفي مقدمتهم المهنيون، الانخراط الجاد في بلورة رأي علمي وعملي مشترك، يقوم على الصيد العقلاني والمسؤول، وتتبع علمي آني ومستمر، حفاظًا على هذا المورد البحري الحيوي وضمانًا لاستدامته في إطار توازن بيئي واقتصادي مستدام.