البحر أنفو – 28/02/2026 احتضن مقر المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري يوم أمس الجمعة 27 فبراير 2026 بأنزا لقاءً علمياً تواصلياً جمع المدير الجهوي للمعهد بعدد من الأطر والباحثين، إلى جانب مهنيي الصيد البحري، وفي مقدمتهم ربابنة متمرسون من ذوي الخبرة الطويلة في المصايد الوطنية.
ويأتي هذا الاجتماع في سياق تعزيز جسور التواصل بين البحث العلمي والفاعلين المهنيين، وتكريس مقاربة تشاركية تقوم على تبادل المعطيات وتفسير المؤشرات العلمية المؤطرة للقرارات التنظيمية الأخيرة الصادرة عن كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري.
اللقاء تميز بتقديم عرض علمي مفصل حول نتائج الرحلات الاستكشافية التي ينفذها الأسطول العلمي التابع للمعهد، حيث تم استعراض منهجية جمع البيانات في عرض البحر، سواء عبر القياسات الفيزيائية والكيميائية لمياه البحر أو من خلال عمليات أخذ العينات البيولوجية وتحليلها مخبرياً.
وشمل العرض قراءة دقيقة لمجموعة من المؤشرات المرتبطة بالتغيرات المناخية، وعلى رأسها ظاهرتا “النينيو” و“النينيا” وتأثيرهما على دينامية التيارات البحرية وحرارة المياه ومستويات الأكسجين المذاب، وهي عناصر أساسية تؤثر بشكل مباشر على توزع الكتلة الحية البحرية وسلوك الأصناف السمكية.

كما تم التطرق إلى تطور حرارة المياه السطحية والعميقة، ورصد التغيرات المسجلة خلال المواسم الأخيرة، مع إبراز انعكاساتها على مواقيت توالد بعض الأنواع الرئيسية، خاصة سمك السردين، الذي يشكل ركيزة أساسية في الاقتصاد البحري الوطني. وقدم الباحثون معطيات دقيقة حول مؤشرات نضج الغدد التناسلية، وفترات الذروة البيولوجية للتكاثر، وكذا تحليل البنية العمرية عبر دراسة سن أسماك السردين بواسطة قراءة الحلقات السنوية، بما يسمح بتقييم استدامة المخزون وضبط فترات الراحة البيولوجية.
ولم يقتصر العرض على السردين، بل شمل كذلك تطور المخزونات السمكية للأنشوبة وباقي الأصناف السطحية الصغيرة، من خلال تحليل الكتلة الحيوية، ومعدلات الاستغلال، وتوزيع اليرقات والبلانكتون، باعتبار هذه الأخيرة مؤشراً مبكراً على قوة التجنيد السمكي في المواسم اللاحقة. وتم التأكيد على أن تتبع كثافة اليرقات وتوزع العوالق النباتية والحيوانية يشكل قاعدة علمية لتوقع دينامية المخزون في الأمدين المتوسط والبعيد.
وقد تميز اللقاء بإنصات عميق وتفاعل مسؤول من طرف المهنيين، خاصة الربابنة ذوي “الخبرة” والتجربة الميدانية، الذين طرحوا أسئلة دقيقة مرتبطة بانعكاسات القرارات الأخيرة لكتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري، لاسيما ما يتعلق بفترات التوقف، وتحديد الحصص، وتدابير حماية المصايد.

وأكد ممثلو المعهد في ردودهم أن كل قرار تنظيمي يستند إلى معطيات علمية موضوعية يتم تحيينها بشكل دوري، وأن الهدف الأساس هو ضمان استدامة الموارد البحرية وصونها لفائدة الأجيال القادمة، دون إغفال التوازن مع المصالح الاقتصادية والاجتماعية للمهنيين.
الاجتماع شكل بذلك محطة علمية وتواصلية مهمة، عززت الثقة بين البحث العلمي والفاعلين في القطاع، وأبرزت الدور المحوري الذي يضطلع به المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري في مواكبة السياسات العمومية البحرية بالتحليل العلمي الرصين، في ظل سياق يتسم بتقلبات مناخية متسارعة وتحديات متزايدة تفرض تدبيراً مستداماً ومسؤولاً للثروة السمكية الوطنية.