البحر أنفو – 17/03/2026 أكادير في ظل تزايد المؤشرات الميدانية التي تعكس تراجعا مقلقا في جودة وأحجام مفرغات الأسماك السطحية الصغيرة، انعقد يوم الإثنين بمقر مندوبية الصيد البحري بأكادير اجتماع مهني موسع خصص لتدارس ظاهرة تفريغ كميات مهمة من الأسماك التي لا تستجيب للمعايير القانونية المعمول بها، خاصة فيما يتعلق بأحجام أسماك السردين والأنشوبة.
وقد شكل هذا اللقاء محطة مهمة لتبادل المعطيات العلمية والمهنية حول الوضعية الراهنة للمصايد، في سياق يتسم بتحديات بيولوجية واقتصادية واجتماعية متداخلة.
الاجتماع الذي ترأسه مندوب الصيد البحري مصطفى أوشكني، ورئيس مصلحة الصيد، عرف حضور ممثلي المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري، والمكتب الوطني للصيد البحري، إلى جانب ممثلي مختلف التمثيليات المهنية النشيطة في قطاع الصيد الساحلي، حيث تم فتح نقاش موسع حول المعطيات المسجلة خلال الأسابيع الأخيرة، والتي كشفت عن تزايد مفرغات الأسماك السطحية الصغيرة ذات الأحجام غير المطابقة للقالب القانوني، خصوصا في ما يتعلق بأسماك الأنشوبة والسردين.

وخلال هذا اللقاء، قدم ممثلو المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري عرضا علميا مفصلا استند إلى المعطيات البيولوجية الميدانية، مؤكدين أن الوضعية الحالية للمخزون السمكي لهذه الأصناف تستوجب تدخلا وقائيا يهدف إلى حماية دورة نمو هذه الأسماك وضمان استدامة المصايد.
وأوضح الخبراء أن السماح للأسماك الصغيرة بالوصول إلى الأحجام التجارية القانونية يتطلب اعتماد فترة راحة بيولوجية لا تقل عن ستة أشهر، وهو الإجراء الذي من شأنه تمكين المخزون من استعادة توازنه البيولوجي وضمان تجدد الكتلة الحية للأسماك في ظروف ملائمة.
غير أن النقاش الذي عرفه الاجتماع لم يقتصر على البعد العلمي فقط، بل انفتح أيضا على الاعتبارات الاجتماعية والاقتصادية المرتبطة بآلاف البحارة والعاملين في قطاع الصيد الساحلي، حيث شدد ممثلو المهنيين على صعوبة تطبيق توقف طويل الأمد بالنظر إلى ارتباط أنشطة عدد كبير من الأسر البحرية بالمداخيل اليومية لرحلات الصيد.

وفي هذا السياق، أكد المهنيون أن مراكب صيد السردين وجدت نفسها خلال الفترة الأخيرة أمام واقع ميداني معقد، إذ لم يكن أمامها في كثير من الرحلات سوى تحقيق حصيلة صيد يغلب عليها طابع أسماك الأنشوبة الصغيرة التي لا ترقى إلى القالب القانوني، رغم أنها تبدو للوهلة الأولى، وبالعين المجردة، ذات حجم مقبول، قبل أن تكشف القياسات الدقيقة عن عدم مطابقتها للمعايير المحددة.
وأمام هذا المعطى الميداني، الذي بات يفرض نفسه على مستوى المفرغات اليومية، خلص الاجتماع إلى ضرورة اتخاذ إجراء توافقي يراعي التوصيات العلمية من جهة، ويحفظ التوازنات الاجتماعية للقطاع من جهة أخرى.
وبعد نقاش مستفيض بين مختلف المتدخلين، تم الاتفاق بشكل جماعي على اعتماد فترة راحة بيولوجية استثنائية لمدة أربعين يوما، تمتد من 20 مارس الجاري إلى غاية فاتح ماي المقبل، وذلك بهدف إتاحة الفرصة للأسماك الصغيرة لمواصلة نموها الطبيعي والاقتراب من الأحجام التجارية القانونية.

ويعكس هذا القرار، الذي جاء ثمرة توافق بين الإدارة والبحث العلمي والمهنيين، إدراكا جماعيا بضرورة التعامل المسؤول مع المؤشرات البيولوجية التي يعرفها المخزون السمكي، خاصة في ما يتعلق بالأسماك السطحية الصغيرة التي تشكل أحد الأعمدة الأساسية للاقتصاد البحري الوطني وسلسلة القيمة المرتبطة بقطاع الصيد.
وقد توج الاجتماع بتحرير محضر رسمي يتضمن خلاصات النقاش والتوصيات المتفق عليها، على أن يتم رفعه إلى كاتبة الدولة المكلفة بالصيد البحري قصد دراسته واعتماد القرار المناسب بشكل رسمي، بما يضمن تنزيل هذا الإجراء في إطار قانوني وتنظيمي واضح.
ويأتي هذا التحرك المهني والمؤسساتي في ظرفية دقيقة تتطلب قدرا كبيرا من اليقظة والتنسيق بين مختلف الفاعلين في القطاع، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بالحفاظ على استدامة الموارد البحرية وضمان استمرارية نشاط الصيد في توازن مع المعطيات البيولوجية للمصايد. كما يعكس الاجتماع مستوى من الوعي المتنامي لدى مختلف المتدخلين بضرورة إرساء مقاربة تدبيرية تقوم على التفاعل السريع مع المؤشرات العلمية والميدانية، بما يضمن حماية الثروة السمكية وتأمين مستقبل النشاط البحري لفائدة الأجيال القادمة.