عاجل
23 يناير 2026 على الساعة 20:42

رقمنة المصادقة على المصطادات: تحول استراتيجي في حوكمة الصيد البحري ومكافحة الصيد غير المشروع

البحر أنفو – 23/01/2026 رقمنة المصادقة على المصطادات: تحول استراتيجي في حوكمة الصيد البحري ومكافحة الصيد غير المشروع

في خطوة نوعية تعكس تشدد الاتحاد الأوروبي في حماية موارده البحرية وتعزيز الشفافية في سلاسل التوريد، دخل القانون الأوروبي رقم (UE) 2023/2842 حيز التنفيذ، مؤسسًا لمرحلة جديدة في نظام المراقبة ومكافحة الصيد غير القانوني وغير المنظم وغير المصرح به (INN). هذا التحول التشريعي لا يمثل مجرد تعديل تقني، بل يشكل إعادة هيكلة شاملة لمنظومة المصادقة على المصطادات، قائمة على الرقمنة الكاملة وتبادل البيانات في الزمن الحقيقي.

القانون، الذي تم اعتماده في 22 نونبر 2023، جاء ليُحدّث الإطار القانوني السابق، وعلى رأسه القانون (CE) رقم 1005/2008، واضعًا حدًا نهائيًا للاعتماد على الوثائق الورقية التقليدية. واعتبارًا من 10 يناير 2026، أصبح نظام المعلومات الخاص بالمصادقة على المصطادات المعروف بـ CATCH هو الأداة الحصرية لمعالجة وتخزين وتبادل المعطيات المرتبطة باستيراد وتصدير وإعادة تصدير المنتجات البحرية داخل الفضاء الأوروبي.

من الناحية التقنية، تم إدماج نظام CATCH ضمن المنظومة المعلوماتية البيطرية المتكاملة TRACES، بما يضمن الانسجام مع تشريعات الرقابة الرسمية المعمول بها في الاتحاد الأوروبي. ويعتمد هذا النظام على المعطيات التي يصرّح بها الفاعلون الاقتصاديون، خاصة المستوردين، لتمكين السلطات المختصة من إدارة المخاطر، وتحديد أولويات التفتيش، وضبط تدفقات المنتجات البحرية بدقة. وتشكل هذه البيانات قاعدة القرار الإداري، وأداة أساسية لضمان الامتثال للقوانين البيئية والصحية والتجارية.

وبالنظر إلى مكانة الاتحاد الأوروبي كسوق أولى لمنتجات الصيد البحري المغربية، سارعت كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري إلى مواكبة هذا التحول عبر تحديث شامل لنظام تتبع ومصادقة المصطادات الوطني SAMAC، بما ينسجم مع المتطلبات الجديدة. وقد شملت هذه المراجعة اعتماد نماذج محدثة لشهادات المصطادات، تتضمن معطيات تقنية إلزامية من قبيل رمز النداء الدولي للسفينة، والنظام المنسق للتعريفة الجمركية (Code SH)، إضافة إلى الاسم العلمي الدقيق للأصناف المصطادة، بما يحد من أي لبس أو تلاعب محتمل في توصيف المنتجات.

ومن أبرز مستجدات هذا التحديث إدراج وثيقة رقمية جديدة تُعرف بـ تصريح مؤسسة المعالجة (DET)، تُلزم بمرافقة المنتجات البحرية المحولة في جميع مراحل المعالجة. هذه الوثيقة تمثل حلقة محورية في ضمان التتبع الكامل، إذ تتيح تتبع مسار المنتوج من لحظة التفريغ الأولى إلى غاية التصدير، مع فرض قيود ذكية لا تسمح إلا بعمليات التحويل المرخص بها قانونًا لكل سفينة أو وحدة صناعية، وفق رخصها المعتمدة.

كما عزز النظام الجديد من آليات الضبط والرقابة الميدانية، من خلال إلزامية حضور ربان السفينة شخصيًا أثناء التصريح بالمصطادات، في إجراء يكرس مبدأ المسؤولية المباشرة. وتم كذلك ربط المنظومة الوطنية بقواعد بيانات المنظمات الإقليمية لإدارة مصايد الأسماك (ORGP) مثل ICCAT وCGPM، للتحقق الآني من قانونية المصطادات في مناطق الصيد الخاضعة لاختصاصها، بما ينسجم مع الالتزامات الدولية للمغرب.

أما على مستوى إجراءات التصدير، فقد أصبحت الرقمنة شاملة، إذ بات من الضروري إدراج رقم الشهادة الصحية للأصل (CSO) وتحديد نقطة الوجهة النهائية بدقة ضمن طلبات التصدير الإلكترونية، الأمر الذي يعزز شفافية العمليات ويُقلص هامش المخاطر المرتبطة بالتحايل أو عدم الامتثال.

في المحصلة، لا يقتصر تحديث نظام المصادقة على المصطادات على كونه استجابة تنظيمية لمتطلبات السوق الأوروبية، بل يشكل رافعة حقيقية لترسيخ حكامة رشيدة في قطاع الصيد البحري، وضمان استدامة الموارد، وتعزيز مصداقية المنتجات البحرية المغربية في الأسواق الدولية. إنه انتقال من منطق المراقبة اللاحقة إلى منطق التتبع الذكي والاستباقي، حيث تصبح البيانات الدقيقة حجر الزاوية في حماية الثروة البحرية للأجيال القادمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *