البحر أنفو – 01/05/2026 في سياق يتسم بتشديد آليات الحكامة المالية وتعزيز الشفافية داخل قطاع الصيد البحري، يجد المكتب الوطني للصيد البحري نفسه اليوم أمام منعطف حاسم يفرض القطع مع ممارسات سابقة لم تعد قابلة للاستمرار، خاصة بعد الملاحظات الصريحة التي سجلها المجلس الأعلى للحسابات بخصوص طرق تدبير عمليات البيع والجانب المالي المرتبط بها.
هذه الملاحظات لم تكن مجرد توصيات تقنية عابرة، بل شكلت تنبيهاً مؤسساتياً واضحاً بضرورة إعادة ترتيب قواعد المعاملات التجارية داخل أسواق السمك، وعلى رأسها فرض ضمانات فعلية تواكب حجم الرهانات المالية المتداولة يومياً. فقد شدد المجلس على ضرورة اعتماد وسائل أداء مؤمنة، من قبيل الشيكات المصادق عليها أو توفير السيولة المالية الفورية، باعتبارها شروطاً أساسية لضمان حقوق جميع المتدخلين في السلسلة.
واقع الحال أن المكتب الوطني للصيد البحري لا يتحرك من منطلق اختياري، بل من موقع الالتزام القانوني والأخلاقي بتنفيذ هذه التوصيات. فالوضع لم يعد يحتمل التأجيل أو المناورة، خاصة وأن المؤسسة تلعب دور الوسيط المحوري بين مختلف الفاعلين: من بحارة ومنتجين وتجار، مروراً ببنيات التسويق والتتبع. هذا الموقع الحساس يجعل أي اختلال في منظومة الأداء المالي ينعكس بشكل مباشر على استقرار القطاع ككل.
ومن الناحية الاقتصادية، فإن المكتب لا يستفيد سوى من نسبة محدودة جداً من قيمة المعاملات، في حين تذهب الحصة الأكبر إلى البحارة، إضافة إلى الاقتطاعات الإجبارية المرتبطة بـالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والتأمينات وباقي الرسوم. وبالتالي، لا يمكن تحميله مسؤولية مخاطر مالية ناتجة عن عدم التزام بعض التجار أو عن شيكات بدون رصيد، وهي ممارسات كانت سائدة في السابق حين يتم قبول شيكات عادية تُودع لاحقاً لدى الأبناك، لتنكشف بعدها اختلالات كبيرة أضرت بتوازن المنظومة.
هذه الإشكالات هي التي سرعت وتيرة الإصلاح، حيث باشر المكتب سلسلة اجتماعات مكثفة مع التمثيليات المهنية من أجل تنزيل نظام أكثر صرامة ووضوحاً.
ورغم أن تاريخ التنفيذ كان محدداً في فاتح أبريل، فقد تم تأجيله إلى فاتح ماي استجابة لمطالب المهنيين، في خطوة تعكس نوعاً من المرونة دون التفريط في جوهر الإصلاح.
ابتداءً من هذا التاريخ، أصبحت القاعدة واضحة: لا مجال لإتمام أي عملية شراء خارج إطار الضمانات المحددة، سواء عبر السيولة أو الشيكات المصادق عليها أو وسائل أداء مؤمنة أخرى. فالسوق لم يعد يحتمل “البيع بالثقة” خارج الضوابط، لأن الثقة غير المؤطرة كلفت القطاع كثيراً في السابق.
وفي عمق هذه التحولات، يظل الدور الأساسي للمكتب قائماً: توفير البنية اللوجستيكية لعمليات البيع، تأمين التتبع، وضمان تسويق المنتوجات البحرية في إطار قانوني شفاف، مع حماية حقوق البحارة عبر تحويل عائدات البيع إلى حساباتهم بشكل مضمون. لذلك، فإن التشدد في شروط الأداء ليس تضييقاً على التجار، بقدر ما هو إعادة توازن للعلاقات داخل السوق.
بعبارة واضحة، “اللي بغا يشري، خاصو يجي ضامن راسو”، لأن زمن الشيكات المؤجلة والالتزامات غير المضمونة قد ولى. فملاحظات المجلس الأعلى للحسابات ليست حبراً على ورق، بل خارطة طريق ملزمة، وتنفيذها لم يعد خياراً بل ضرورة قبل فوات الأوان، لضمان استمرارية قطاع حيوي يشكل ركيزة أساسية في الاقتصاد البحري الوطني.