البحر أنفو – 18/06/2026 الذكاء الاصطناعي في مواجهة نفوق الحيتان الرمادية بخليج سان فرانسيسكو متابعة:
يشهد خليج سان فرانسيسكو بالولايات المتحدة تزايداً مقلقاً في أعداد الحيتان الرمادية التي تتعرض للنفوق نتيجة اصطدامها بالسفن التجارية وسفن النقل البحري، في وقت تواجه فيه هذه الثدييات البحرية تحديات بيئية متفاقمة مرتبطة بتغير المناخ وتراجع مواردها الغذائية الطبيعية.
وعلى مدى عقود، اعتُبرت الحيتان الرمادية في شمال شرق المحيط الهادئ نموذجاً ناجحاً لاستعادة التوازن البيئي بعد حظر صيدها التجاري وشطبها من قائمة الأنواع المهددة بالانقراض سنة 1994. غير أن هذا النجاح بدأ يتراجع خلال السنوات الأخيرة، إذ تشير بيانات الإدارة الوطنية الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوي (NOAA) إلى انخفاض أعداد هذه الحيتان بنحو 50 في المائة خلال العقد الماضي، ليستقر عددها حالياً في حدود 13 ألف حوت فقط.
ويعود جزء كبير من هذه الأزمة إلى التحولات المناخية التي أثرت على النظم البيئية في القطب الشمالي، حيث تعتمد الحيتان الرمادية على القشريات والكائنات القاعية كمصدر رئيسي للغذاء. وقد أدى تراجع هذه الموارد إلى اضطرار الحيتان إلى قطع رحلات هجرتها الطويلة وهي تعاني نقصاً في مخزون الطاقة، ما يجعلها أكثر ضعفاً عند وصولها إلى خليج سان فرانسيسكو.

ويمثل الخليج، الذي يعد أكبر مصب مائي على الساحل الغربي للولايات المتحدة بمساحة تناهز 4140 كيلومتراً مربعاً، محطة متزايدة الأهمية في مسار هجرة الحيتان. غير أن هذا الفضاء البحري يشهد حركة مكثفة للناقلات النفطية والعبارات وسفن الرحلات السياحية وسفن الشحن، ما يحول مسار الهجرة إلى منطقة عالية الخطورة.
وتفيد المعطيات المتوفرة بأن ما بين عامي 2018 و2025، فقد نحو 18 في المائة من الحيتان الرمادية التي دخلت الخليج حياتها نتيجة الاصطدام بالسفن. ويرجح الخبراء أن تكون الحصيلة الحقيقية أكبر من ذلك بكثير، إذ إن عدداً مهماً من الجثث يغرق في أعماق البحر أو تجرفه التيارات بعيداً قبل رصده وتوثيقه.

وفي محاولة للحد من هذه الخسائر، أطلقت السلطات والعلماء خلال ماي 2026 مبادرة جديدة تعتمد على الذكاء الاصطناعي لرصد الحيتان في الوقت الحقيقي. ويعمل نظام “WhaleSpotter” على اكتشاف الحيتان آلياً باستخدام تقنيات متطورة، قبل أن يقوم خبراء بتأكيد المعلومات ونشر مواقعها عبر منصة “Whale Safe”، التي تتيح لربابنة السفن والباحثين والجمهور متابعة تحركات الحيتان بشكل فوري.
ويساعد هذا النظام السفن على تعديل مساراتها أو تخفيض سرعتها عند الاقتراب من مناطق وجود الحيتان، ما يقلل من مخاطر الاصطدام ويحسن شروط التعايش بين النشاط البحري والحياة البرية.
كما يجري اختبار تقنيات أخرى تعتمد على التصوير الحراري للكشف عن الحيتان في ظروف الرؤية الصعبة، خاصة خلال فترات الضباب الكثيف الذي يميز خليج سان فرانسيسكو. وقد أثبتت هذه التكنولوجيا فعاليتها في مراقبة الحيتان القاتلة بشمال غرب المحيط الهادئ، كما تخضع حالياً لتجارب على الساحل الشرقي الأمريكي لحماية الحيتان الصائبة في شمال الأطلسي.

ويرى الباحثون أن نجاح هذه المبادرات قد يشكل نقطة تحول مهمة في جهود الحفاظ على الحيتان الرمادية، خصوصاً في ظل استمرار الضغوط البيئية وتزايد حركة الملاحة البحرية. كما يؤكدون أن توسيع نطاق هذه الأنظمة الذكية إلى مناطق أخرى من الساحل الأمريكي سيساهم في تعزيز حماية التنوع البيولوجي البحري وضمان بقاء أحد أبرز الكائنات المهاجرة في المحيطات.
وتبرز تجربة خليج سان فرانسيسكو كيف يمكن للتكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي أن يتحولا إلى أدوات فعالة لحماية الحياة البحرية، في وقت تتطلب فيه التحديات البيئية العالمية حلولاً مبتكرة تجمع بين العلم والحفاظ على الموارد الطبيعية.
