عاجل
13 مارس 2026 على الساعة 21:14

الشناقة والتغيرات المناخية و بين تراجع المصايد وجشع الوسطاء.. من يقف وراء غلاء السردين في المغرب؟

البحر أنفو – 13/03/2026 في الوقت الذي كان فيه المغاربة يعتبرون السردين لسنوات طويلة “سمك الفقراء” ورفيق الموائد الشعبية بامتياز، بدأت هذه السمكة الزرقاء تشهد خلال السنوات الأخيرة ارتفاعاً لافتاً في الأسعار، ما أثار تساؤلات واسعة لدى المستهلكين حول الأسباب الحقيقية وراء هذا الغلاء، وكيف تحولت سمكة كانت في متناول الجميع إلى منتوج يتقلب ثمنه بشكل ملحوظ من سوق إلى آخر.

ويرى مهنيون ومتابعون لقطاع الصيد البحري أن غلاء أسماك السردين ليس وليد عامل واحد، بل نتيجة تداخل عدة عوامل اقتصادية وبيئية وتنظيمية. ويأتي في مقدمة هذه العوامل تغول الوسطاء أو ما يعرف بـ“الشناقة” الذين يتحكمون في مسار المنتوج بين الميناء والسوق، حيث يفرض بعضهم إيقاع الأسعار عبر المضاربة ورفع هامش الربح بشكل مبالغ فيه، وهو ما يساهم في تضخم الأثمنة التي تصل إلى المستهلك النهائي.

ويؤكد عدد من المهنيين أن غياب ضبط صارم لمسالك التوزيع يجعل هذه الفئة تتحكم في جزء مهم من السوق، رغم الجهود التي تبذلها الجهات الوصية لتنظيم القطاع والحد من الفوضى التي قد تطبع أحياناً حلقات التسويق.

إلى جانب العامل التجاري، تبرز العوامل البيئية كسبب رئيسي آخر في تراجع العرض من أسماك السردين بالسواحل المغربية. فقد أثرت التغيرات المناخية بشكل واضح على دينامية المخزون السمكي، سواء من خلال ارتفاع درجات حرارة المياه أو تغير التيارات البحرية، وهي عوامل انعكست بشكل مباشر على توزع أسراب السردين ومردودية المصايد.

كما أن ضغط الصيد الذي عرفته بعض المصايد خلال السنوات الماضية ساهم بدوره في تقليص وفرة هذا الصنف من الأسماك، ما يفرض اليوم تحديات إضافية مرتبطة بضرورة الحفاظ على التوازن بين الاستغلال الاقتصادي للمورد البحري وضمان استدامته على المدى البعيد.

ورغم هذه التحديات، شهدت هذه السنة خطوة غير مسبوقة في إطار مبادرة “الحوت بثمن معقول” التي أدرجت لأول مرة السردين المجمد ضمن قائمة الأسماك المعروضة في هذه العملية الاجتماعية، حيث تم تحديد سعره في حدود 13 درهماً للكيلوغرام الواحد. وقد اعتُبرت هذه الخطوة سابقة مهمة هدفت إلى التخفيف من تأثير تقلبات الأسعار في الأسواق وضمان وصول هذا المنتوج البحري إلى الفئات ذات القدرة الشرائية المحدودة.

ولقيت هذه المبادرة استحساناً لدى العديد من الأسر المغربية التي ما تزال تعتبر السردين مكوناً أساسياً في مطبخها اليومي، خاصة أن هذا النوع من السمك يحتل مكانة خاصة في الثقافة الغذائية للمغاربة، حيث يحضر في أطباق شعبية معروفة مثل السردين “كواري” والسردين المشرمل والشريكات وكفتة السردين، وهي وصفات بسيطة لكنها غنية بالقيمة الغذائية وتشكل جزءاً من الذاكرة الجماعية للمائدة المغربية.

ويبقى التحدي اليوم، حسب متابعين، هو إعادة التوازن إلى سلسلة تسويق الأسماك عبر تنظيم أفضل لمسالك التوزيع وتشديد المراقبة على المضاربات، إلى جانب مواصلة الجهود العلمية والبيئية للحفاظ على المخزون السمكي. فالسردين، الذي ظل لعقود طويلة رمزاً لسمك الفقراء، ما يزال يشكل أحد أعمدة الأمن الغذائي البحري بالمغرب، لكن الحفاظ على هذا الدور يتطلب تضافر الجهود بين المهنيين والسلطات والفاعلين في القطاع لضمان استدامته ووصوله بثمن معقول إلى موائد المغاربة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *